عبارة قالها الشيخ عبدالحميد كشك -رحمه الله- رداً على أحد منتقديه, و كان منتقده هذا مقرّباً من السلطة.
لا يقول هذه العبارة إلّا إنسانٌ حرّر نفسه من سلطة البشر, و استمد قوّته من خالق البشر.
اسمع صرخة كشك هذه و انظر حولك, فلا ترى شاباً إلا وهو يبحث عن مُعين "واسطة" من البشر كي يجد وظيفة أو جامعة تقبل به.
الحقيقة أن واقع الحياة المادي قد يضعف الإنسان كثيراً فيدفعه في هذا الإتجاه, فتراه يتوسّل بالبشر لنيل غرضٍ دنيوي بالرغم من أن الله -سبحانه و تعالى- قد قطع هذا الطريق بتحرير الإنسان من كل قوة أخرى, فاختار أكثر الأشخاص عرضة للتقديس وهم الأنبياء فخاطب أشرفهم قائلا "ليس لك من الأمر شيء" و يقول عن المسيح "إن هو إلا عبدٌ أنعمنا عليه."
و هذا هو الفصل الذي يقف عنده المسلم كي لا يحدث اللبس الذي حدث في الأديان الأخرى فلم يعد هناك فرق بين النبي و الإله.
لم يترك الله عبده في هذا الإنقطاع الوجداني, لأنه يعلم أن النفس وقت الضعف تتعلق بأي شيء, و كلّ شركٍ حولك: ديني أو اجتماعي, ناتج عن حالة ضعف تجعل الإنسان مسلوب الاختيار, سهل الانكسار, كما أن الكتمان هنا قد يقتل الإنسان.
فمدّ الله له أوثق الحبال قائلاً "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعاني" لينقذه من ضيق صدور العباد إلى رحاب ملكوته.
منهجٌ واضحٌ جليٌّ بيّن. يُقضى به حق الله تعالى من التوحيد, و تستقر به النفس البشرية, فيجرّدها من سيطرة المادة, و يزيل عنه الخوف من تسلّط البشر.
نتلمس ذلك في الإمام الحسن البصري حين سأله أحدهم عن سر زهده فقال "علمتُ أن رزقي لن يأخذه غيري فاطمئن قلبي"
هذا لا يعني التصوّف و المبالغة فيه, فلا يتعلق الإنسان بالسماء و ينسى الأرض التي استخلفه الله عليها, لذلك أكمل الحسن البصري حديثه فقال "و علمتُ أن عملي لن يقوم به غيري, فاشتغلت به"
هنا يقول المؤمن بلسان صدق "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا"
هذا هو التوازن المنشود, و النهج المحمود. قبل أن تُحارَب "الواسطة" بالقانون و التشريع, يجب أن تُحارب في نفس كل مسلم و ذلك بتوثيق حبل اتصاله بالله سبحانه.
عُد لعبارة ذلك الخطيب المصقع كشك -رحمه الله- و انظر حولك, كم سترى من الشرك؟ و الشرك هنا ليس بمفهومه الشرعي, إذ لا تجد في بلادنا من يتوسّل بالاموات إلّا قلّة, لكن الشرك بمفهومه اللغوي, سترى انهم استبدلوا المكانة الإجتماعية بالقبور, فأخذت مكانها و أصبحت وسيلة يتقرب بها العبد لنيل مأربه ولو لم يكن حقه المشروع.
لا يعلم أصحاب النفوذ, أنهم بإهمالهم و عدم مراقبتهم, لا يقتلون العدل فقط, بل يقتلون قوى الإيمان في نفس المسلم. فيريق ماء وجهه أمام الآخرين, ولو أراق دمعته على سجادته لكان أجدى له.
يقول الشافعي:
أتهزأ بالدعاء و تزدريه؟
و ما تدري بما صنع الدعاءُ
سهام الليل لا تخطي و لكن
لها امدٌ و للأمد انقضاءُ
يلزمك الآخرون بالسير إليهم وهم على أرائكهم, و الله يقول من أتاني مشياً أتيته هرولة.
يذلّك الآخرون إن رجوتهم, و يرفعك الله إذا دعوته.
يستر الله دمعك بخمار الليل, و يفضح الآخرون مذلّتك بالمنّة.
يلزمك الآخرون بالتكلف في القول, والله يعرف مافي قلبك ولو كنت فاقداً للنطق "حولها ندندن"
أما تستحي أن تسأل غيره بعد هذا؟
فاسعى و خذ بالأسباب دون أن تفقد صلتك بالمسبّب, و لا تتأثر بهذا الوهم الذي يخلقه ضعف إيماننا بمسمّيات اجتماعية.
إن صدقتَ في طلبك, أذهب اللهُ الحاجةَ عن قلبك. أقول إن صدقت.
من مقولاتي غير المتواضعة
في دعاء الله لذة
من وجدها, لم تعد تعنيه الاستجابة كثيراً.
البنّان
سلام